بيني وبينك – شاكر مصطفى

بيني وبينك كُتيب صغير جداً صادفته في طريقي إلى مكانٍ ما، وسأنشر المقالات التي فيه هنا

بيني وبينك شاكر مصطفى تباعاً، على أمل أن تستمتعوا بها. 🙂

هذا الكتاب ضمن سلسلة مختارات التي تنشرها وزارة الثقافة ودار البعث هدية للقراء مساهمة منها في متعة القراءة وفائدتها عبر تقديم كتب قديمة وجديدة فيعا متعة للنفس وفائدة للعقل وبهجة للروح.

بيني وبينك مقالات كتبها شاكر مصطفى* يعبر فيها عن أفكاره، يبث فيها مشاعره وعواطفه، يتكلم عن القوة والضعف، الإنسان والحياة.

يقول شاكر مصطفى في المقدمة:

أليس في خاطرك كلمة تودُّ أن تدفع بها إلى شفتيك؟أليس في رأسك فكرة، فكرةٌ صغيرة تغلي مع أخواتها غليان العصافير في الشجر عند الصباح؟

– بلى!

بهذا الإغراء دفعوا بي لأتحدث، بيني وبينك، عن فكرةٍ شاردةٍ في الخاطر، أو همسةٍ حبيسةٍ في اللهات.

وأنت أيُّها المواطن، أنّا كنت، في قلبي، أنت معي على الدرب، سواء كنت في المعمل أو الحقل أو المدرسة، وبيني وبينك من علائق الحياة و روابط القُربى والفكر ما يجعل رغبتنا في تبادل الحديث تنقلب نوعاً من البث الأخويّ السعيد … حقلك الذي شرق بماء الفرات في الشمال أخو حقلي الذي يشتهي القطر في الجنوب، وجارك الذي يضرب إمرأته كلّ مساء، صنو لرئيس ورشتنا الذي يمنعنا عند الظهيرة من الصلاة، ومأساة ابنك المريض تكررت أمس عند خبازنا الذي احترقت دكانه… والأغنية التي أهتفُ بها وأنا على النول، تعلمتها منك، من زغاريدك أنت للمحراث… وحين أتكلم أعرف أنك تفهمني، تشربُ كلمتي حتى آخر قطرة ٍ فيها، إنّ الكلمة التي تصدر من القلب تنفذ إلى القلب … ولن يعرف النصح سبيلاً إلى لساني، فلست أكره شيئاً كرهي للحى الناصحين الطويلة ولعصى (شيخ الكتاب) ألست تكره النصح أنت ؟ أما تبدت لك ملامح النصح يوماً وقد لبست وجه ذبابة أو رقبة جمل … إن من أمثالنا الدارجة أنّ الله حين فرّق الحظوظ لم يرض ِ أحداً بما قسم له وأما حين فرّق العقول فقد طار كلٌّ منا بعقله على أجنحة سبعةِ نسور.

ولهذا أعلّم نفسي دوماً احترام (عقل الآخرين).وأحاول أن أنظر من الزاوية التي منها ينظرون، ولأحذر كل الحذر من أن أدعي الحكمة دون غيري أو عمق التجربة دون مبرر، وأن أمدّ يدي وأقول للناس ها هنا الطريق الوحيد، وأنا أعرف أن دروب الحياة… لله ما أكثرها.

وأعترفُ بيني وبينك أني ما ندمت مرّة على فهم الآخرين وأني أكثر من هذا كثيراً ما وجدتني على مسافات متفاوتةٍ من الخطأ بالنسبة إليهم. فقلبي على رغمه كالحقل المدود ينمو مع السنبل فيه الشوق والقتات، ومع الدرب إلى النجم فيه يمتدُّ ألف دربٍ أرعن إلى الحضيض…

لا! ما أحببت أن أشبه الآخرين، ما أحببت مرةً أن أرغم نفسي على الدخول في قوالبهم…ولكنني أعيشُ معهم برغمي كما تعيش أنت برغمك وألقاهم حولي كما تلقاهم أنت حولك يتحركون دون انقطاع وينبعون أمام عينيك من كلِّ زاوية وينظرون إليك في فضول الحراس ويتسللون إلى نفسك ليكونوا جزءاً منك…إنهم عوامل شتى زاخرة …وأنت لا تتحرر منهم وتتصل بهم في وقتٍ معاً إلا إذا عرفت كيف تفهمهم وكيف تنفرد عنهم.

وأنا أؤمن بعد أن الإنسان يصنع نفسه بنفسه. وهو الذي يصوغها حجراً حجراً … وبعداً لعصا الحظ السحريّة أن يكون لها يدٌ في حياته، وسحقاً للشيطان أن يضلل مجاريها حيث يضل … لا الحظ ولا الصدفة ولا الشيطان بمستطيع تبديل خطوةٍ من خطواتنا أو عليه أن يتحمل مسؤولية أعمالنا … ولكنا مع ذلك نرغب في الاختباء من فشلنا، نغطي وجهنا منه وهكذا نجعل الحظ مشجباً نعلّق به كل هزائمنا ونقيم من الشيطان صندوق قمامةٍ نلقي عليه بكل أوزارنا. تُرى لو أنّ يداً مسحورةً وهبته القوام المادية الكثيف ألبسته الجسد أكان شيئاً آخر الأنا، نحن.

لقد ثرثرنا في هذا التقديم كثيراً، أليس كذلك ؟!

ومع ذلك دع هذا الحديث، وما يليه، يكن صلة الروح بيني وبينك.

——————————–

* شاكر مصطفى:(1921-1999) كاتب سوري. ولد في دمشق ودرس التاريخ في جامعة الملك فؤاد في القاهرة (مصر) وتخرج منها 1943. عاد إلى سوريا ليعمل بالتدريس، وعين وكيلاً لجامعة دمشق 1945، وعمل أستاذاً للتاريخ فيها. عين ملحقاً ثقافياً في القاهرة 1956، ثم سفيراً في السودان 1957، ثم سفيراً في كمبوديا 1958، وقنصلاً في البرازيل 1959. عين وزيراً للإعلام 1966، لكنه استقال بعد شهر من استلامه المنصب وانتقل إلى الكويت، حيث ساهم في إنشاء جامعتها 1967، وعمل فيها أستاذاً للتاريخ والدراسات الإسلامية حتى 1991. من أعماله: في التاريخ العباسي (1950)، العرب في التاريخ (1950)، أزمة التطور في الوطن العربي (1973)، الأندلس في التاريخ (1990).

في ذكرى رحيل شاكر مصطفى

-بالمناسبة قدّم هذا الكتيب نزار قباني في أغنية لشاكر مصطفى سأنشرها في المرات القادمة

Tags:

67 Responses to “بيني وبينك – شاكر مصطفى”

  1. หีใหญ่ Says:

    Have you ever thought about adding a little bit more than just your articles? I mean, what you say is important and all. However just imagine if you added some great pictures or videos to give your posts more, “pop”! Your content is excellent but with images and clips, this blog could certainly be one of the very best in its field. Very good blog!

  2. หีใหญ่ Says:

    There’s noticeably a bundle to find out about this. I assume you made sure good points in options also.

  3. หี Says:

    I am not sure the place you’re getting your information, however great topic. I must spend a while learning much more or understanding more. Thank you for magnificent information I used to be on the lookout for this information for my mission.

  4. หี Says:

    This actually answered my downside, thanks!

  5. คริปหลุดสาวอวบ Says:

    I used to be more than happy to find this net-site.I wished to thanks for your time for this glorious read!! I positively enjoying every little little bit of it and I have you bookmarked to check out new stuff you blog post.

  6. คริปหลุดสาวอวบ Says:

    Magnificent items from you, man. I have bear in mind your stuff prior to and you are just too magnificent. I actually like what you’ve got here, certainly like what you are saying and the way wherein you say it. You are making it enjoyable and you continue to care for to stay it sensible. I cant wait to learn far more from you. This is actually a tremendous web site.

  7. เย็ดสาวใหญ่ Says:

    I just like the valuable info you supply in your articles. I?ll bookmark your blog and check again right here frequently. I’m somewhat certain I will be informed many new stuff proper here! Best of luck for the following!

Leave a Reply