رسالة من الجنة ..

كنت أسمع ُ أنين أبي يخفت بهدوء ، وأمي تكاد ترتطم بجدران المنزل جيئةً وذهاباً لتبحث عن حل توقف فيه ألمه، كان ألمه أقوى من أن يتوقف بحبة مسكن أو حتى إبرة مخدر، كان ألمه ينبض بتسارع نبضات قلبه، وتصاعد أنفاسه المتعبة، كان ألمه موروثاً وكذلك ألمنا.

أناوأخوتي  وُضعنا على سجادةٍ واحدة، وقيل لنا ناموا،غداً سيكون أجمل، كان جميعنا يملكُ من الوعي ما يستطيع أن يفهم فيه الذي يجري، فما دمتَ وِلدت فلسطيناً فأنت تعي الحرب والدمار والجوع وأنت في بطن أمك.

كان القصف على أشده عندما صرخت أختي الصغيرة “ليلى” ليلى صديقتها المقربة، وقد استشهدت اليوم، اعتقدت أمي أن حنين تحلم بها فجاءت لتهدئتها دون كأس ماء، لا ماء لدينا،  لم تكن حنين تحلم .. أنا أعرف تماماً ما كانت حنين تفكر به فقد تواعدتا أن ترشا مطراً من الجنة إلى غزة ليطفئا نارها معاً، اقتربت ُمن أمي وهمستُ في أذنها، سأقوم بتهدئتها، ابتسمت أمي كمن يريد أن يقول هدئيني أنا معك ِ أيضاً، كنت أرى في عيني أمي الدنيا، منذ أن كنا صغاراً علمتنا أن نعشق فلسطين كما نعشقها تماماً، وأن نعيش لنستشهد فيها،ونتقابل في الجنة، علمتنا أن نبكي ولكن من غير أن يرى أحدٌ دموعنا، وأن نبتسم رغم ما نمر به، كانت تقول دوماً بأن الله إذا أحبّ عبداً ابتلاه وأنه إذا ما صبر كانت الجنة ..

حنين نامت على يدي .. سعاد حفرت على الجدار أحرف فلسطين بهدوء .. هممت بسؤالها ماذا سيفيد هذا ..؟ سيتدمر هذا المنزل شئنا أم أبينا لكني رأيتها ترسم بجانبها وردة خجلت من نفسي حشوت نفسي فرحاً لم أعرف من أين أيتيت به

-سعاد هي الوردة اللي تعلمتي تزرعيها
-هزت رأسها بسرعة: سأزرع واحدة غداً وأقدمها لماما ..
-وأنا ..
-سأزرع لك شجرة زيتون ٍ كاملة .. وضحكت .
لم تكن سعاد كبيرةً جداً إلا أنها كانت تعرف بأن ماما ونحن ربما نموت بعد لحظات لكننا لن نفترق ..
مصعب كان يبتسم نائماً، يحتضن ورقته وقلمه، يحلم بمدرسته ودروس الثورة ..كان يريد أن يصبح رئيساً لفلسطين وأن “يكسر بيوت اليهود فوق روسن !”
أمي مازالت في حالتها، تحاول أن تعطي أبي الدواءوهو يرفضه ، تأخذ من دموعها وتسقيه قطرة ، وهو ما زال يردد اسم أخي الكبير سامر..استشهد منذ أسبوع لكننا لم نشعر بفقده بمقدار ما فرحنا لاستشهاده ..استشهد وهو يجلب لنا رغيف خبز، علياء الصغيرة ترفض أن تأكل شيء حتى يعود سامر ، ورغم أن سامر لن يعود، علياءواثقة بأن الخبز الذي سيأتي به أشهى من هذا المكسّر ..
هدوئنا في ذلك اليوم وازى شدة القصف،لم نصرخ، لم نبكي،لم نفعل شيء سوى أننا كنا نحاول أن ننام ..ونمنا جميعنا ..نوماً عن هذه الدنيا.
سنطفأ نار غزة بأرواحنا التي صعدت من بين الصواريخ والقنابل، من بين الأحجار والركام، من بين زهرة سعاد، ودفتر مصعب، من يدي حنين ومطر ليلى، من رغيف سامر وثقة علياء،من أنين أبي، ودموع أمي، وحروف الشهادة .. سنطفأ نار غزة .


ونسأل أنفسنا دوماً لماذا تقتل اسرائيل الأطفال ..؟ ونجيب ببداهة الأحمق لأنها همجية ..!
لا ليس لهذا السبب حتى وإن كانت هذه صفتها .. تقتل الأطفال لأن عقولهم دمرت الاحتلال قلباً وستدمره عندما تكبر  قالباً..

أطفال غزة .. حفظكم الله بأحضان الرحمة والأمل.

الوسوم: , , , , , ,

2 من التعليقات لـ “رسالة من الجنة ..”

  1. عقبةNo Gravatar قال:

    جميل ماكتبتي..شكرا لك
    وأسال الله أن يكشف الغمة قريبا

    مبروك المدونة الجديدة الآن رأيتها.. شي راقي

  2. يجب ان لا نحزن على غزة
    غزة حصلت على الكرامه

    الحزن على الحكام العرب الذين يدعون الكرامه

إكتب تعليقك