بيني وبينك – شاكر مصطفى

بيني وبينك كُتيب صغير جداً صادفته في طريقي إلى مكانٍ ما، وسأنشر المقالات التي فيه هنا

بيني وبينك شاكر مصطفى تباعاً، على أمل أن تستمتعوا بها.

هذا الكتاب ضمن سلسلة مختارات التي تنشرها وزارة الثقافة ودار البعث هدية للقراء مساهمة منها في متعة القراءة وفائدتها عبر تقديم كتب قديمة وجديدة فيعا متعة للنفس وفائدة للعقل وبهجة للروح.

بيني وبينك مقالات كتبها شاكر مصطفى* يعبر فيها عن أفكاره، يبث فيها مشاعره وعواطفه، يتكلم عن القوة والضعف، الإنسان والحياة.

يقول شاكر مصطفى في المقدمة:

أليس في خاطرك كلمة تودُّ أن تدفع بها إلى شفتيك؟أليس في رأسك فكرة، فكرةٌ صغيرة تغلي مع أخواتها غليان العصافير في الشجر عند الصباح؟

- بلى!

بهذا الإغراء دفعوا بي لأتحدث، بيني وبينك، عن فكرةٍ شاردةٍ في الخاطر، أو همسةٍ حبيسةٍ في اللهات.

وأنت أيُّها المواطن، أنّا كنت، في قلبي، أنت معي على الدرب، سواء كنت في المعمل أو الحقل أو المدرسة، وبيني وبينك من علائق الحياة و روابط القُربى والفكر ما يجعل رغبتنا في تبادل الحديث تنقلب نوعاً من البث الأخويّ السعيد … حقلك الذي شرق بماء الفرات في الشمال أخو حقلي الذي يشتهي القطر في الجنوب، وجارك الذي يضرب إمرأته كلّ مساء، صنو لرئيس ورشتنا الذي يمنعنا عند الظهيرة من الصلاة، ومأساة ابنك المريض تكررت أمس عند خبازنا الذي احترقت دكانه… والأغنية التي أهتفُ بها وأنا على النول، تعلمتها منك، من زغاريدك أنت للمحراث… وحين أتكلم أعرف أنك تفهمني، تشربُ كلمتي حتى آخر قطرة ٍ فيها، إنّ الكلمة التي تصدر من القلب تنفذ إلى القلب … ولن يعرف النصح سبيلاً إلى لساني، فلست أكره شيئاً كرهي للحى الناصحين الطويلة ولعصى (شيخ الكتاب) ألست تكره النصح أنت ؟ أما تبدت لك ملامح النصح يوماً وقد لبست وجه ذبابة أو رقبة جمل … إن من أمثالنا الدارجة أنّ الله حين فرّق الحظوظ لم يرض ِ أحداً بما قسم له وأما حين فرّق العقول فقد طار كلٌّ منا بعقله على أجنحة سبعةِ نسور.

ولهذا أعلّم نفسي دوماً احترام (عقل الآخرين).وأحاول أن أنظر من الزاوية التي منها ينظرون، ولأحذر كل الحذر من أن أدعي الحكمة دون غيري أو عمق التجربة دون مبرر، وأن أمدّ يدي وأقول للناس ها هنا الطريق الوحيد، وأنا أعرف أن دروب الحياة… لله ما أكثرها.

وأعترفُ بيني وبينك أني ما ندمت مرّة على فهم الآخرين وأني أكثر من هذا كثيراً ما وجدتني على مسافات متفاوتةٍ من الخطأ بالنسبة إليهم. فقلبي على رغمه كالحقل المدود ينمو مع السنبل فيه الشوق والقتات، ومع الدرب إلى النجم فيه يمتدُّ ألف دربٍ أرعن إلى الحضيض…

لا! ما أحببت أن أشبه الآخرين، ما أحببت مرةً أن أرغم نفسي على الدخول في قوالبهم…ولكنني أعيشُ معهم برغمي كما تعيش أنت برغمك وألقاهم حولي كما تلقاهم أنت حولك يتحركون دون انقطاع وينبعون أمام عينيك من كلِّ زاوية وينظرون إليك في فضول الحراس ويتسللون إلى نفسك ليكونوا جزءاً منك…إنهم عوامل شتى زاخرة …وأنت لا تتحرر منهم وتتصل بهم في وقتٍ معاً إلا إذا عرفت كيف تفهمهم وكيف تنفرد عنهم.

وأنا أؤمن بعد أن الإنسان يصنع نفسه بنفسه. وهو الذي يصوغها حجراً حجراً … وبعداً لعصا الحظ السحريّة أن يكون لها يدٌ في حياته، وسحقاً للشيطان أن يضلل مجاريها حيث يضل … لا الحظ ولا الصدفة ولا الشيطان بمستطيع تبديل خطوةٍ من خطواتنا أو عليه أن يتحمل مسؤولية أعمالنا … ولكنا مع ذلك نرغب في الاختباء من فشلنا، نغطي وجهنا منه وهكذا نجعل الحظ مشجباً نعلّق به كل هزائمنا ونقيم من الشيطان صندوق قمامةٍ نلقي عليه بكل أوزارنا. تُرى لو أنّ يداً مسحورةً وهبته القوام المادية الكثيف ألبسته الجسد أكان شيئاً آخر الأنا، نحن.

لقد ثرثرنا في هذا التقديم كثيراً، أليس كذلك ؟!

ومع ذلك دع هذا الحديث، وما يليه، يكن صلة الروح بيني وبينك.

——————————–

* شاكر مصطفى1921-1999) كاتب سوري. ولد في دمشق ودرس التاريخ في جامعة الملك فؤاد في القاهرة (مصر) وتخرج منها 1943. عاد إلى سوريا ليعمل بالتدريس، وعين وكيلاً لجامعة دمشق 1945، وعمل أستاذاً للتاريخ فيها. عين ملحقاً ثقافياً في القاهرة 1956، ثم سفيراً في السودان 1957، ثم سفيراً في كمبوديا 1958، وقنصلاً في البرازيل 1959. عين وزيراً للإعلام 1966، لكنه استقال بعد شهر من استلامه المنصب وانتقل إلى الكويت، حيث ساهم في إنشاء جامعتها 1967، وعمل فيها أستاذاً للتاريخ والدراسات الإسلامية حتى 1991. من أعماله: في التاريخ العباسي (1950)، العرب في التاريخ (1950)، أزمة التطور في الوطن العربي (1973)، الأندلس في التاريخ (1990).

في ذكرى رحيل شاكر مصطفى

-بالمناسبة قدّم هذا الكتيب نزار قباني في أغنية لشاكر مصطفى سأنشرها في المرات القادمة

الوسوم:

7 من التعليقات لـ “بيني وبينك – شاكر مصطفى”

  1. U : 92No Gravatar قال:

    نص ملهم وأكثر من رائع ، بوركت جهودك في نقله.
    أكثر ما أعجبني فيه الفلسفة السهلة الممتنعة، والحكمة

    “ولهذا أعلّم نفسي دوماً احترام (عقل الآخرين).وأحاول أن أنظر من الزاوية التي منها ينظرون، ولأحذر كل الحذر من أن أدعي الحكمة دون غيري أو عمق التجربة دون مبرر، وأن أمدّ يدي وأقول للناس ها هنا الطريق الوحيد، وأنا أعرف أن دروب الحياة… لله ما أكثرها.”

    لكل منا دربه الخاص لا قوالب جاهزة ولا خطط أو خرائط طريق

  2. FaRaHNo Gravatar قال:

    صحيح، صدقت … لكن أصعب شيء هي المحاولات الدائمة لفرض الخطط والآراء على الآخرين ..

    الحكمة في هذا النص لا تقل عن باقي نصوص الكتيب

    سعيدة جداً بمرورك .. دمت بخير

  3. ranaNo Gravatar قال:

    أتعلمين فرح ..
    أنني وجدتُ هذا الكتاب عندي .. كان لجدّي .. لديه الكثير من الكتب .. عندما قرأت عنوانه بالصدفة تذكرتُ تدوينتك هنا …
    ربّما سأقرأه قريباً

    :smile:

  4. FaRaHNo Gravatar قال:

    جميل رنوشة .. سعيدة جداً لمعرفتي أحد يمتلكه .. فكل ما سألت أحداً عن شاكر مصطفى لم يعرفه
    هذه إحدى الأمور التي شجعتني على إدراج مقالات الكتيّب هنا

  5. […] كتاب بيني وبينك- شاكر مصطفى مقالة جديدة: نبض الحياة […]

  6. صلاحNo Gravatar قال:

    شكرا على هذا الكتاب انا عندي مجموعة من الكتب للدكتور شاكر مصطفى ومن اشد المعجبين بكتابتة ومنها المظلومين في التاريخ واليتامى في التاريخ وفي ركاب الشيطان وعدة كتب اخر يعطيك العافية على هذا الجهد وللعلم الدكتور كان له برنامج اذاعي في الكويت يذاع في رمضان يوميا ولكن للاسف توقف اذاعته منذ سنتين واتمنى ان اجمع كتب المرحوم شاكر مصطفى وياريت احد يدلني اين اجد جميع كتبه وشكرا

  7. السعوديNo Gravatar قال:

    تعبير جميييييييييل ورائع

    تحية إعجاب لهذا الطرح الراقي وصاحب هذا الطرح وتسلم الانامل الكاتبه

إكتب تعليقك